كلمة السيد وزير العدل والحريات الأستاذ المصطفى الرميد بمناسبة تقديم مشروعي القانونين التنظيميين المتعلقين بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية وبالنظـــام الأساســـي للقضــــاة

29 أكتوبر, 2015

-الجلسة العامة بمجلس النواب- 27 أكتوبر 2015

 بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وآله وصحبه

 

السيد الرئيس المحترم،

السيدات النائبات المحترمات،

السادة النواب المحترمون،

 

يطيب لي أن أعبر لكم عن مدى سعادتي بتقديم مشروع القانون التنظيمي رقم 100.13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائيةومشروع القانون التنظيمي رقم 106.13 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، اللذين وافقت عليهما لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان على التوالي بتاريخي 19 و21 أكتوبر 2015.

أود في البداية أن أنوه بمستوى التدخلات القيمة للسيدات والسادة النواب المحترمين وبالنقاش العميق والرصين الذي طبع أشغال اللجنة بمناسبة مناقشة المشروعين المذكورين، ووعيا منهم بأهميتهما البالغة وأهمية اللحظة التاريخية التي يقدمان فيها.

لقد تم إعداد مشروعي هذين القانونين التنظيميين استنادا إلى توصيات ميثاق إصلاح منظومة العدالة،الذي جاء تتويجا لمسار إصلاحي حظي بالرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس أيده الله الذي ما فتئ يولي عنايته الفائقة لهذا الإصلاح الجوهري والذي جعله في صدارة الأوراش الإصلاحية الكبرى التي يقودها٬ إيمانا منه بأن العدل هو قوام دولة الحق والمؤسسات وسيادة القانون وتحفيز الاستثمار والتنمية، كما أعلن عن ذلك حفظه الله في خطاب 8 مايو 2012 بمناسبة تنصيبه لأعضاء الهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة وتحديد المرجعيات الأساسية لهذا الحوار ولا سيما منها مقتضيات الدستور الجديد للمملكة. التي تنص على أن الملك هو الضامن لاستقلالالسلطة القضائية كسلطة مستقلة قائمة الذات عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، وعلى إحداث المجلس الأعلى للسلطة القضائية كمؤسسة دستورية يرأسها الملك تسهر على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة، وتخويل الرئيس الأول لمحكمة النقض مهام الرئيس المنتدب، والتنصيص على حقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة ودور القضاء في حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم.

وفي هذا الإطار، حددت الهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة "توطيد استقلال السلطة القضائية" هدفا رئيسيا أولا ضمن الأهداف الاستراتيجية الكبرى الستة لإصلاح منظومة العدالة، ويرمي هذا الهدف إلى ضمان مقومات استقلال القضاء، كفالة لحسن سير العدالة، وتكريسا لحق الأشخاص في الاحتماء بالقضاء المستقلالمنصف والفعال.

وقد انبثقت عن هذا الهدف الرئيسي مجموعة أهداف فرعية، في مقدمتها "ضمان استقلالية المجلس الأعلى للسلطة القضائية" وذلك من خلال عدة آليات تنفيذ من بينها وضع القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية كما هو منصوص عليه في الفقرة الرابعة من الفصل 116 من الدستور، والتي تنص على أنه: "يُحدد بقانون تنظيمي انتخاب وتنظيم وسير المجلس الأعلى للسلطة القضائية، والمعايير المتعلقة بتدبير الوضعية المهنية للقضاة، ومسطرة التأديب".

وكذا الهدف المتعلق ب "التدبير الأمثل للمسار المهني للقضاة" وذلك من خلال عدة آليات تنفيذ في مقدمتها وضع القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة كما هو منصوص عليه في الفصل 112 من الدستور: "يحدد النظام الأساسي للقضاة بقانون تنظيمي".

 

السيد الرئيس المحترم،

حضرات السيدات والسادة النواب المحترمين،

لقد تأسس مشروعا القانونين التنظيميين المتعلقين بالمجلس الأعلى للسلطة القضائيةوالنظام الأساسي للقضاة بصفة خاصة على:

- دستور المملكة؛

- التوجيهات الملكية ذات الصلة، الواردة في الخطب والرسائل الملكية السامية؛

- مضامين ميثاق إصلاح منظومة العدالة؛

- المبادئ والمعايير الدولية المتعلقة باستقلال السلطة القضائية بما يوافق روح دستور المملكة؛

كما تم الاستئناس بمجموعة من القوانين والدراسات والتقاريرسواء منها الوطنية أو الدولية.

وقد اعتمد في إعداد مشروعي القانونين التنظيميين على منهجية تشاركية واسعةقامــت علىإشراك جميع الجهات المعنية وفتح باب التشاور معها؛ وذلك من خلال المراحل التالية:

- مناقشة المسودتين الأولتين للمشروعين من قبل كافة أعضاء المجلس الأعلى للقضاء؛

- توجيه مسودتي المشروعين إلى مختلف الجمعيات المهنية للقضاة التي قدمت ملاحظاتها واقتراحاتها، وكذلك إلى المجلس الوطني لحقوق الإنسان والهيئة المركزية للوقاية من الرشوة اللذان توصلنا منهما بملاحظاتهما التفصيلية؛

- نشر المسودتين بصفحة منتدى التشريع بالموقع الالكتروني لوزارة العدل والحريات، وتلقي ملاحظات ومقترحات بشأنها؛

- عقد سبع لقاءات تواصلية جهوية لتدارس ومناقشة مضامين المسودتين مع القضاة ونقباء هيئات المحامين ورؤساء مصالح كتابة الضبط على صعيد مختلف الدوائر القضائية بالمملكة؛

- تنظيم يوم دراسي لمناقشة موضوع الإدارة القضائية حضره كافة المسؤولين القضائيين؛

وخلال كل هذه المحطات، تم الاستماعودراسة كل الملاحظات والاقتراحات، حيث تم قبول مجموعة منها، لاسيما تلك التي وافقت المرجعيات التي تأسس عليها هذا المشروع.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المشروعين حظيا باهتمام هيئات دولية متخصصة ونالا تثمينا ودعما قويين من قبل اللجان الاستشارية لدى مجلس أوروبا، ويتعلق الأمر بلجنة البندقية واللجنة الأوروبية من أجل النجاعة القضائية والمجلس الاستشاري للقضاة الأوروبيين.

 

السيد الرئيس المحترم،

حضرات السيدات والسادة النواب المحترمين،

يمكن تقديم الخطوط العريضة لمضامين مشروعي القانونين التنظيميين من خلال المحاور التالية:

  • ·    أولا: بالنسبة لمشروع القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية:

 

1- ضمان استقلالية المجلس الأعلى للسلطة القضائية.

نص المشروع على أن المجلس الأعلى للسلطة القضائيةيتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي ويتوفر على مقر خاص بالرباط، وتضع الدولة رهن إشارته الوسائل المادية والبشرية اللازمة لممارسة مهامه.

كما تم تكريس مبدأ استقلال وحياد المجلس من خلال منع الجمع بين العضوية في المجلس وبين عدد من المهام، وخاصة الممارسة الفعلية لمهام قضائية بإحدى المحاكم، أو ممارسة مهنة قضائية أو مهمة عامة انتخابية ذات طابع سياسي أو نقابي.

وحدد المشروع التزامات صريحة يمنع بمقتضاها على أعضاء المجلس اتخاذ أي موقف أو القيام بأي عمل يمكن أن ينال من تجردهم أو من استقلالية المجلس.

كما أشار المشروع إلى أن أعضاء المجلس يؤدون القسم قبل مباشرة مهامهم بين يدي جلالة الملك.

2- تنظيم آليات انتخاب ممثلي القضاة وضمان تمثيلية النساء القاضيات.

ضمانا لتمثيلية شاملة وفعالة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، حدد المشروع شروطا واضحة لترشح القضاة لعضوية المجلس ونظم آليات انتخاب ممثليهم، مع ضمان حد أدنى للعدد النساء القاضيات في عضوية المجلس.

وخول المشروع كذلك لكل مترشح إمكانية الطعن في صحة انتخاب ممثلي القضاة أمام الغرفة الإدارية بمحكمة النقض.

 

 

3- تنظيم وسير المجلس.

نص المشروع على أن المجلس يضع نظامه الداخلي، ويحيله قبل الشروع في تطبيقه إلى المحكمة الدستورية للبت في مطابقته لأحكام

الدستور قبل نشره بالجريدة الرسمية.

4 - تقوية الضمانات المخولة للقضاة بمناسبة تدبير المجلس لوضعيتهم المهنية.

نص المشروع على أن الملك يوافق بظهير على تعيين القضاة في السلك القضائي وفي مهام المسؤولية القضائية بمختلف محاكم الاستئناف ومحاكم أول درجة.

وأكد المشروع على اعتماد المجلس في تدبير الوضعية المهنية للقضاة على مبادئ تكافؤ الفرص والاستحقاق والكفاءة والشفافية والحياد والسعي نحو المناصفة.

ويراعي المجلس المعايير العامة والخاصة الواردة في مشروع هذا القانون التنظيمي والشروط المنصوص عليها في مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، بما يفتح المجال لمراقبة مشروعية المقررات المتخذة، وبالتالي تحقيق الانسجام مع المبدأ الدستوري الذي يجعل مقررات المجلس المتعلقة بالوضعيات الفردية للقضاة قابلة للطعن.

كما وضع معايير خاصة بكل وضعية مهنية على حدة، سواء تعلق الأمر بترقية القضاة أو انتقالهم أو انتدابهم أو تمديد حد سن تقاعدهم.

وضمانا لشفافية تدبير الوضعية المهنية للقضاة، تم اعتماد مبدأ الإعلان عن المناصب الشاغرة وتمكين القضاة من تقديم طلبات الترشح بشأنها سواء تعلق الأمر بمهام المسؤولية أو طلبات الانتقال.

5 - تعزيز ضمانات مسطرة التأديب.

أحاط المشروع تأديب القضاة بعدد من الضمانات، منها:

- عدم تحريك المتابعة التأديبية إلا بعد إجراء الأبحاث والتحريات الضرورية؛

- تعرض نتائج الأبحاث والتحريات على أنظار المجلس الذي يقرر على إثر ذلك إما الحفظ أو تعيين قاض مقرر؛

- يتخذ المجلس، بعد اطلاعه على تقرير القاضي المقرر، مقررا بالحفظ أوإحالة القاضي المعني إلى المجلس إذا تبين له جدية ما نسب إليه؛

- استدعاء القاضي المتابع قبل سبعة (7) أيام على الأقل، من تاريخ اجتماع المجلس للنظر في قضيته، ويجب أن يتضمن الاستدعاء البيانات الكافية المتعلقة بموضوع المتابعة؛

- حق القاضي المتابع في الاطلاع على كل الوثائق المتعلقة بملفه التأديبي والحصول على نسخة منها، وإمكانية مؤازرته بأحد زملائه القضاة أو بمحام؛

- عرض القاضي المقرر تقريره بحضور القاضي المتابع؛

- تمكين القاضي المتابع من تقديم توضيحاته ووسائل دفاعه بشأن الأفعال المنسوبة إليه؛

- بت المجلس في الملف التأديبي داخل أجل أقصاه أربعة (4) أشهر من تاريخ تبليغ قرار الإحالة إلى القاضي المعني، مع إمكانية تمديد هذا الأجل، بموجب قرار معلل، مرة واحدة ولنفس المدة.

6 - تحديد الجهة القضائية المختصة بالبت في الطعون المتعلقة بانتخاب ممثلي القضاة وبالوضعيات الفردية للقضاة.

أسند المشروع اختصاص النظر في الطعون المتعلقة بانتخاب ممثلي القضاة إلى الغرفة الإدارية بمحكمة النقض باعتبارها أعلى هيئة قضائية إدارية بالمملكة. كما تم تنظيم مسطرة وآجال الطعن في جميع المقررات المتعلقة بالوضعيات الفردية للقضاة بسبب الشطط في استعمال السلطة، مع إمكانية طلب وقف تنفيذ المقررات المطلوب إلغاؤها أمام نفس الغرفة.

7 - تفعيل دور المجلس في تخليق القضاء.

إضافة إلى تعزيز استقلال القضاء وتطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة، أناط المشروع بالمجلس اختصاصات أخرى يسهر بمقتضاها على ضمان احترام الأخلاقيات القضائية والتشبث بها، وإشاعة ثقافة النزاهة والتخليق بما يعزز الثقة في القضاء؛ ومن أجل ذلك يضع المجلس، بعد استشارة الجمعيات المهنية للقضاة، مدونة للأخلاقيات القضائية تتضمن القيم والمبادئ والقواعد التي يتعين على القضاة الالتزام بها، اعتبارا لسمو المهمة القضائية وثقل أمانتها وجسامة مسؤوليتها. وفي هذا الإطار نص المشروع على أن المجلس يشكل لجنة للأخلاقيات القضائية تسهر على تتبع ومراقبة التزام القضاة بهذه المدونة.

8 - حماية استقلال القاضي.

نظم المشروع الإحالات المقدمة إلى المجلس من قبل القاضي كلما اعتبر أن استقلاله مهدد؛ حيث يقوم المجلس عند الاقتضاء بالأبحاث والتحريات اللازمة، ويتخذ الإجراء المناسب أو يحيل الأمرعند الاقتضاء على النيابة العامة إذا ظهر له أن الفعل يكتسي طابعا جرميا.

9 - مساهمة المجلس في تحسين وضعية القضاء ومنظومة العدالة.

نص المشروع على أن المجلس يضع تقارير حول وضعية القضاء ومنظومة العدالة، ويصدر التوصيات الملائمة بشأنها، ولاسيما ما يخص دعم حقوق المتقاضين والسهر على حسن تطبيق قواعد سير العدالة، ودعم نزاهة واستقلال القضاء، والرفع من النجاعة القضائية، وتحسين الأوضاع المادية والاجتماعية للقضاة.

وفي نفس السياق تعرض على أنظار المجلس، قصد إبداء الرأي، مشاريع ومقترحات القوانين المتعلقة بوضعية القضاء ومنظومة العدالة، واستراتيجيات وبرامج الإصلاح، في مجال العدالة، التي تحيلها الحكومة إليه.

 

 

10 - مد جسور التعاون بين المجلس والوزارة المكلفة بالعدل.

نص المشروع على إحداث هيئة مشتركة بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية والوزارة المكلفة بالعدل تتولى التنسيق في مجال الإدارة القضائية، تعمل تحت إشراف كل من الرئيس المنتدب للمجلس والوزير المكلف بالعدل، كل فيما يخصه، بما لا يتنافى واستقلال السلطة القضائية، يحدد تأليفها واختصاصاتها بقرار مشترك لهما ينشر بالجريدة الرسمية.

كما نص على أنه يمكن للوزير المكلف بالعدل حضور اجتماعات المجلس من أجل تقديم بيانات ومعلومات تتعلق بالإدارة القضائية أو أي موضوع يتعلق بسير مرفق العدالة، وجدير بالذكر أن هذه المقتضيات من شأنها أن تكرس استقلال السلط، وتضمن من جهة أخرى تعاونها وتوازنها.وقد أخذت جل التشريعات بصيغ مختلفة لمقاربة هذا الموضوع بهذا المقتضى، على سبيل المثال، تنص المدونة القضائية البلجيكية على هذا المقتضى في المادة 259 مكرر7.

 

السيد الرئيس المحترم،

حضرات السيدات والسادة النواب المحترمين،

لقد مكنت تدخلات السيدات والسادة النواب المحترمين بلجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان من تعميق النقاش حول العديد من مقتضيات هذا المشروع، عكستهاالتعديلات التي تقدمت بها فرق الأغلبية (55 تعديلا) وفرق المعارضة(68 تعديلا). ولقد تفاعلت الحكومة إيجابيا مع عدد كبير من هذه التعديلات إما بشكل مباشر أو من خلال صيغ توافقية. كما تجدر الإشارة إلى أن الحكومة تقدمت بدورها بعدة تعديلات يرجع جزء كبير منها إلى خلاصات المناقشة داخل اللجنة، راجعت على إثرها بعض مقتضيات المشروع كما تم تقديمها.

تلكم السيد الرئيس المحترم، حضرات السيدات والسادة النواب المحترمين الخطوط العريضة لمشروع القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية الهادفة إلىتجسيد مقومات استقلال القضاء، مما يساهم في تعزيز المسار الحقوقي ببلادنا.

 

  • ·    ثانيا: بالنسبة لمشروع القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة:

يمكن تقديم الخطوط العريضةلمضامين مشروع هذا القانون التنظيمي من خلال المحاور التالية:

1     ـ تأليف السلك القضائي.

-        تكريس مبدأ وحدة القضاء، حيث يتألف السلك القضائيبالمملكة من هيئة واحدة تشمل قضاة الأحكام وقضاة النيابــة العامــة، المعينين بمختلف محاكم المملكة؛

-        تعيين الملك للرئيس الأول لمحكمة النقض والوكيل العام للملك لديها وذلك لمدة 5 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة؛

-         وضع قضاة النيابة العامة تحت سلطة ومراقبة الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ورؤسائهم التسلسليين؛

-        تنظيم جديد للمناصب القضائية ومهام المسؤولية التي يتولاها القضاة؛

-        إحداثمنصب نائب الرئيس الأول لمحكمة النقض وباقي المسؤولينالقضائيين.

 

2 ـ تنظيم حقوق وواجبات القضاة.

حدد المشروع مجموعة من الحقوق والامتيازات الممنوحة للقضاة مقابل واجبات ملقاة على عاتقهم، يمكن إجمالها فيما يلي:

- ضمان الحق في حرية التعبير بما يتلاءم مع واجب التحفظ والأخلاقيات القضائية؛

- ضمانالحقفي الانخراط في الجمعيات أو إنشاء جمعيات مهنية، مع مراعاة واجب التحفظ والأخلاقيات القضائية؛

- التعويض عن الديمومة وعن الإشراف على التدبير والتسيير الإداري بالمحاكم؛

-التزام القاضي باحترام المبادئ والقواعد الواردة في مدونة الأخلاقيات القضائية؛

- الحرص على البت في القضايا المعروضة على القضاة داخل أجل معقول؛

- التزام القضاة بالمشاركة في دورات وبرامج التكوين المستمر التي تنظم لفائدتهم؛

- إمكانية مشاركة القضاة في الأنشطة والندوات العلمية شريطة ألا يؤثر ذلك على أدائهم المهني.

3 ـ وضع معايير لتقييم أداء القضاة.

وضع المشروع معايير شفافة وموضوعية لتقييم أداء القضاة، تراعي الأداء المهني والمؤهلات الشخصية والسلوك والعلاقات بالمحيط المهني والقدرة على التدبير ورغبات القاضي وآراءه حول ظروف العمل والإمكانيات المتوفرة.

4ـ تنظيم الوضعيات التي يوجد فيهاالقضاة.

نظم المشروع المسار المهني للقضاة من خلال تحديد الوضعيات التي يوجدون فيها، وهي:

- وضعية القيام بالمهام؛

- وضعية الإلحاق؛

- وضعية الاستيداع.

5 ـ نظام التأديب.

تناول المشروع نظام التأديب من خلال المقتضيات التالية:

-        يعتبر كل إخلال من القاضي بواجباته المهنية أو بالشرفأو بالوقار أو الكرامة، خطأ من شأنه أن يكون محل عقوبة تأديبية، وإضافة مقتضيات تتعلق بإخلال القاضي بواجب الاستقلال التجرد والنزاهة والاستقامة والخرق الخطير لقاعدة مسطرية تشكل ضمانة أساسية لحقوق وحريات الأطراف. والخرق الخطير لقانون الموضوع والإهمال أو التأخير غير المبرر والمتكرر في بدء إنجاز مسطرة الحكم أو في القضايا أثناء ممارسته لمهامه القضائية؛

- التنصيص على إمكانية توقيف القاضي عن مزاولة مهامهإذا توبع جنائيا أو ارتكب خطأ جسيما؛ مع تحديد درجات العقوبة، والتنصيص على مبدأ تناسب العقوبة مع الخطأ المرتكب؛

- تنظيم الحق في طلب رد الاعتبار بعد انصرام أجل محدد من تاريخ تنفيذ العقوبة.

 

6 ـ سن التقاعد.

رفع المشروع حد سن التقاعد بالنسبة للقضاة من ستين (60) سنة إلى خمس وستين (65) سنة، مع إمكانية تمديد حد السن المذكور إلى 70 سنة بإرادة الطرفين القاضي من جهة والمجلس الأعلى للسلطة القضائية من جهة أخرى وذلك سنة سنة.

 

السيد الرئيس المحترم،

حضرات السيدات والسادة النواب المحترمين،

لقد مكنت تدخلات السيدات والسادة النواب المحترمين بلجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان من تعميق النقاش حول العديد من مقتضيات هذا المشروع، كما الحال بالنسبة لمشروع القانون المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية عكستها التعديلات التي تقدمت بها فرق الأغلبية (28 تعديلا) وفرق المعارضة (22 تعديلا). ولقد تفاعلت الحكومة إيجابيا مع عدد كبير من هذه التعديلات إما بشكل مباشر أو من خلال صيغ توافقية. كما تجدر الإشارة إلى أن الحكومة تقدمت بدورها بعدة تعديلات يرجع جزء كبير منها إلى المناقشة داخل اللجنة، راجعت على إثرها بعض مقتضيات المشروع كما تم تقديمها.

 

السيد الرئيس المحترم،

حضرات السيدات والسادة النواب المحترمين،

إننا ونحن نقدم بعض مستجدات هذين المشروعين والتي تجسد التقدم الكبير في ضمان استقلال السلطة القضائية نؤكد أن ما أوردناه غيض من فيض وقليل من كثير... لكن ذلك لا يعني أن هذه المستجدات التشريعية غاية في الكمال ولا منتهى الآمال إذ أنها اجتهادات استحضرنا فيها المرجعيات الدستورية والدولية كما اعتبرت فيها أيضا المعطيات الخاصة بمجتمعنا وأخلاقياته واحتمالات انحراف من يهمه الأمر لدينا،أذكر أن وزير العدل والحريات أصدر منشورا قصد تفعيل دور الجمعيات العمومية بالمحاكم والتأكيد على دورها التقريري فكان أن بدأ البعض في التداول حول المسؤوليات والمهام خارج اجتماع الجمعية العمومية بالاتفاق المسبق بين طائفة من القضاة لفرض رأيهم على رئيس المحكمة ووكيل الملك بها وباقي زملائهم ... وهكذا للأسف الشديد تم افراغ دور الجمعية العمومية بهذه المحكمة بمنطق آخر ومن قبل طرف آخر... وتبين لنا في الوزارة أنه لا يكفي اصدار القرارات الجيدة دون استحضار من يهمه أمر تطبيقها وتفعيلها.

وتذكرون كيف مرت الاجتماعات العامة لبعض الجمعيات المهنية ومستوى الممارسة الديمقراطية التي كشفت عنها !!! والاختلاف الذي حدث فيها والطعون التي مورست بشأنها! لذلك لا بد من رصد تطور الممارسة الفعلية لمقتضى أي قانون وبقدر نضج هذه الممارسة ينبغي تطوير القانون، لأن القانون يطبقه البشر حسب طبائعه وثقافته وحسب مواقعه ومصالحه ومعطيات مجتمعه، ولتأكيد ذلك استحضر معكم

ذلك اليوم الذي حضر فيه وزير العدل اللبناني السابق والذي حكى لي بمرارة كيف أنه لما كان نقيباللمحامين بلبنان دافع عن استقلال القضاء عن الدولة فإذا بالقضاء بالفعل استقل عن الدولة لكنه سقط في أتون الطائفية البغيضة، فبعد أن كان القضاء وطنيا أصبح طائفيا...

اليوم ونحن نعيش مرحلة التأسيس للاستقلال المؤسساتي للقضاء عن السلطة التنفيذية من حقنا نتطلع إلى قضاء مستقل عن الجميع وأقول الجميع ... من حقنا أن نخشى ضياع استقلاله في مراتع الحزبية والفئوية وما خفي أخطر وأمر!!! لذلك فإن على الجميع أن ينأى بنفسه عن التعامل مع بعض قضاتنا كزبناء أو أنصارا أو شيئا مما يخل باستقلالهم.

 

السيد الرئيس المحترم،

حضرات السيدات والسادة النواب المحترمين،

إن من أكثر القضايا إثارة للجدل والنقاش موضوع استقلال النيابة عن السلطة التنفيذية وهو الموضوع الذي لم يحسم دستوريا في أي اتجاه وقد اجتهدت الهيئة العليا للحوار الوطني وأنتجت توصية في هذا المجال تقضي برئاسة الوكيل العام لدى محكمة النقض للنيابة العامة وهو اجتهاد رأيت حينها أنه مرجوح لأسباب لا مجال لذكرها هنا لكني تبنيت هذا الاجتهاد بعد أن أصدرت الهيأة العليا للحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة التي شرفني جلالة الملك برئاستها توصيتها بهذا الخصوص ودعوت فرق الأغلبية إلى أن تتنازل عن تعديلاتها بشأن الإبقاء على علاقة النيابة العامة بوزير العدل وهو ما فعلته مشكورة وفي المقابل قبلت الحكومة اقتراح الأغلبية الرامي إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة وذلك بإفساح المجال أمام الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة لتقديم تقرير سنوي عن تنفيذ السياسة الجنائية أمام لجنتي العدل والتشريع بالمجلسين.... وستكون الفرصة سانحة للمجلس الدستوري ليقول كلمته في هذه الصيغة التي اختلفت حولها الآراء.

وهنا لابد أن أؤكد أنه كثيرا ما تم الافتراء على وزير العدل والحريات بادعاء أنه كان يقول قبل أن يكون مسؤولا بخيار الفصل ثم أصبح يقول بعد أن أصبح مسؤولا بخيار الوصل ... وهذا ادعاء عار من الصحة تماما ... إذ لم يحصل أبدا أن قلت بذلك أبدا.

واليوم وقد صادقت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان لمجلس النواب على صيغة الفصل التي اقترحناها وينتظر أن تصادقوا في الجلسة العامة على هذا المقتضى، فإني أتطلع إلى ذلك اليوم الذي يعدل فيه دستورنا لنبلور فصلا منطقيا تعهد فيه رئاسة النيابة العامة إلى مدع عام مستقل يخضع اختياره لمسطرة أكثر استجابة لمعايير الديمقراطية، كما أني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لا اقترحت أن تكون المفتشية العامة مفتشية واحدة مستقلة بدل اثنتين  إحداهما تعنى بالشؤون القضائية وأخرى بالشؤون الإدارية والمالية، وتكون مهام هذه المفتشية المستقلة شاملة لمهام المفتشيتين، وهي من تقوم بمهامها بناء على طلب وزارة العدل أو المجلس الأعلى للسلطة القضائية أو الوكيل العام للملك بصفته رئيسا للنيابة العامة، وأيضا تتابع القضاة المخالفين وتدافع عن متابعتها أمام المجلس الأعلى للسلطة القضائية وتطعن في قراراته أمام الغرفة الإدارية بمحكمة النقض، وعلى ذكر الغرفة الإدارية لمحكمة النقض فإنه ليس هناك ما يعيب بتها في الطعون المتعلقة بقرارات المجلس الأعلى للسلطة القضائية ولا أدل على ذلك أن نفس الصيغة معتمدة بإسبانيا.والتي ليس بها مجلس دولة كما الحال بفرنسا... هذا مع العلم أن تطور القضايا الإدارية خاصة من حيث العدد قد يؤدي إلى تخصيص القضاء الإداري بمحكمة إدارية عليا تحل محل الغرفة الإدارية بمحكمة النقض في إطار تطور مؤسساتي طبيعي تعودت بلادنا على إنجازه برؤية وتدرج موزون...

السيد الرئيس المحترم،

السيدات والسادة النواب المحترمين،

أما بخصوص المطالب المتطلعة إلى منح المجلس الأعلى للسلطة القضائية مهام الإدارة القضائية بدل السلطة التنفيذية فإني أؤكد على أن العديد من الدول الراقية في باب استقلال القضاء لا تعتمده في تنظيم مرافقها والمثال على ذلك اسبانيا وبلجيكا فضلا عن فرنسا وغيرها...

كما أنهمطلب غير دستوري بحكم ما نص عليه الفصل 113 من الدستور المغربي والتي ورد بها الآتي:

" يسهر المجلس الأعلى للسلطة القضائية على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة، ولاسيما فيما يخص استقلالهم وتعيينهم وترقيتهم وتقاعدهم وتأديبهم.

يضع المجلس الأعلى للسلطة القضائية بمبادرة منه، تقارير حول وضعية القضاء ومنظومة العدالة ويصدر التوصيات الملائمة بشأنها. يصدر المجلس الأعلى للسلطة القضائية، بطلب من الملك أو الحكومة أو البرلمان، آراء مفصلة حول كل مسألة تتعلق بالعدالة مع مراعاة مبدأ فصل السلط".

فهذا الفصل يحدد بدقة مهام المجلس الأعلى للسلطة القضائية وهي مهام ضامنة لاستقلال السلطة القضائية وليس منها ولا فيها ما له علاقة بالإدارة القضائية التي تبقى طبقا لما ورد بالفصل 89 من الدستور موضوعة تحت تصرف الحكومة، ومن هذا المنطلق فإن وزارة العدل والحريات ستعمد بصدد اعتماد مخصصات لحوار التدبير مع المسؤولين القضائيين لتحديد حاجيات المحاكم وتلبيتها في إطار تعاقدي دقيق وفقا لما تقتضيه مقتضيات القانون التنظيمي للمالية الجديد.

و ختاما أرجو الله تعالى أن يوفق قضاتنا و قاضياتنا لكي يكونوا عند حسن ظن جلالة الملك نصره الله، رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، الذي نبه إلى أنه "مهما تكون أهمية هذا الإصلاح، وما عبأنا له من نصوص تنظيمية، وآليات فعالة، فسيظل الضمير المسؤول للفاعلين فيه هو المحك الحقيقي لإصلاحه، بل وقوام نجاح هذا القطاع برمته"، كما أسأله تعالى أن يكون قضاتنا وقاضياتنافي مستوى طموحات و انتظارات عموم الشعب المغربي، أملا في غد أفضل لمنظومة العدالة، يقدم فيه القضاة العدل للناس جميعا باستقلال و نزاهة و نجاعة، خدمة لبلدهم و إسهاما في تحقيق تنميته المنشودة، ليكونوا من القضاة الموعودين بالجنة و ليتبوؤوا مقعد الإمام العادل الذي يظله الله بظله يوم لا ظل إلا ظله، راجيا الله تعالى أن يوفق المجلس الأعلى للسلطة القضائية ليحافظ للقضاة على حقوقهم و يذود عنها، ويدفع عنهم الشوائب وينزع عنهم الدواخل.

إن توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 

justice.gov.ma/csm Copyright © 2016