نص حوار وزير العدل والحريات مع جريدة الصباح

17 فبراير, 2015

> <

ما هي مستجدات الاتفاقيات المغربية الفرنسية وكواليس صياغتها والتنازلات المقدمة من قبل الطرفين؟

-كما تعلمون فإنه في غضون فبراير 2014 فوجئ المغرب ب 7 من رجال الأمن ينتقلون إلى مقر إقامة سفير المملكة المغربية بباريس لأجل تبليغ السيد عبد اللطيف الحموشي، المدير العام لإدارة المحافظة على التراب الوطني، ( د إ س ت)، استدعاء من إحدى قاضيات التحقيق بباريس، فكان حدثا مفاجئا لنا، ومستفزا بحكم  ما تتوفر عليه إقامة السفير من حصانة فضلا عن أن السيد الحموشي لم يكن أصلا فوق تراب الدولة الفرنسية لينعقد الاختصاص لقضائها. وكذا بحكم أن الحدث لا يقتضي هذا العدد من رجال الأمن. خصوصا أن وزير الداخلية المغربي كان حينئد موجودا في الإقامة المذكورة في إطار زيارة رسمية لفرنسا.

أضف إلى ذلك أن قاضية الاتصال المغربية بفرنسا، ظلت طيلة ثلاثة أيام وهي تطرق الأبواب من أجل الحصول على المعلومات دون جدوى، وبعدما علمنا بوجود شكايات أخرى من قبل أشخاص يدعون بدورهم التعرض للتعذيب مع العلم أنهم متورطون في قضايا حق عام، لذلك بدا لنا من الملائم الدعوة إلى مراجعة اتفاقيات التعاون القضائي بين البلدين، وأصدرت بلاغا في 26 فبراير 2014، يقضي بتعليق جميع اتفاقيات التعاون القضائي من أجل تقييم جدواها وتحيينها بما يتيح تدارك ما يشوبها من اختلالات واستدعاء قاضية الاتصال المغربية، إلى حين الاتفاق على حلول مناسبة تضمن الاحترام المتبادل والتام لمنطوق وروح الاتفاقيات التي تربط البلدين.

وقد كان موقفنا حاسما، لا شيء يقتضي مساءلة مغربي متهم من قبل مغربي بارتكاب جريمة على أرض مغربية من قبل القضاء الفرنسي.

لكن ماذا عن كواليس لقائكم بنظيرتكم الفرنسية؟ أو كيف تم التوصل إلى مراجعة الاتفاقيات بما يحفظ لكل بلد سيادته؟

لقد كانت المقاربة المغربية تعتمد بالأساس مراجعة الاتفاقيات القضائية الرابطة بين الطرفين، بينما كان للطرف الفرنسي رأي آخر يذهب مذهب اعتماد حلول أخرى، ليس لها طبيعة تشريعية وإنما تقتصر على التدابير الإجرائية...

ومع مرور الوقت تبين صحة المقاربة المغربية، وهو ما تمت تزكيته من قبل جلالة الملك محمد السادس والرئيس الفرنسي فرونسوا هولاند في اتصال هاتفي فتح الباب أمام مفاوضات وزير العدل بالبلدين.

وبالفعل فإن مفاوضاتنا أفضت إلى مراجعة الاتفاقيات القضائية على أسس ثلاث أولاها : الحق الثابت لمواطني الطرفين في اللجوء إلى القضاء دون أي قيد أو شرط، وثانيها: إقرار التكاملية بين النظامين القضائيين درءا لتنازع الاختصاص القضائي بين البلدين، وثالثهما: تكريس عدم الإفلات من العقاب إذ انه في جميع الأحوال لابد للعدالة في النهاية أن تقول كلمتها في أي شكاية ترفع أمام قضاء هذا الطرف أو ذاك.

لكن ماهي ضمانات الالتزام بالاتفاقيات الجديدة؟ وهل يمكن أن لا تتراجع فرنسا كما فعل المغرب، وتؤكد أن بنود الاتفاقيات لا تعجبها؟

إن الاتفاقيات تكون بين دولتين صديقتين ، تعملان على أن تنهضا بالتعاون الثنائي في جميع الميادين، ومنها الميدان القضائي، وإن كنتم تسألونني عن ضمانة احترام هذه الاتفاقيات، فهي متانة العلاقات القائمة بين الدولتين المغربية و الفرنسية، والمصالح المشتركة و التي تجعل فرنسا في أشد الحاجة إلى المغرب، تماما كما أن المغرب في أشد الحاجة إلى فرنسا.

 ما هو الجديد الذي يتضمنه هذا التعديل؟

ستعلمون بالتفصيل الجديد في التعديل حينما تحال الاتفاقيات على الجهتين المعتمدتين للمصادقة، وهما المجلسين الوزاريين، ثم برلماني كلا البلدين.

 هل لا تزال متابعة مسؤولين مغاربة قائمة؟

لن أدخل في التفاصيل، لكن ينبغي أن يكون معلوما أن التعديل المنجز على الاتفاقيات القضائية لم يوضع من أجل السيد الحموشي فقط، ولكن من أجل جميع المواطنين المغاربة، أما الحالات المفتوحة حاليا، فستجد لها حلا في الاتفاقيات المطروحة.

 وهل هناك ضمانات بعدم متابعة مسؤولين آخرين في انتظار التصديق على هذه الاتفاقيات؟

 أعيد القول بأن الاتفاقيات لم تكن تستهدف حماية شخص معين بل حماية جميع المغاربة، لماذا، لأنها لا تتعلق فقط بالتعذيب، بل بكافة الشكايات

التي يمكن أن تكون ضد مغاربة، فدور الاتفاقيات حسب التعديل المنجز هو تحديد جهات الاختصاص وترتيب النتائج الضرورية في حالة عدم قيام هذه الجهة او تلك بواجبها، أما بالنسبة  إلى الحالات الجارية فهي محدودة، ستجد حلها بشكل تلقائي في المقتضيات التي تم تعديلها في هذه الاتفاقيات.

هل هذه الاتفاقيات لا تتعارض مع اتفاقية روما في مباشرة جرائم كونية تناهض التعذيب، وأي قضاء له اختصاص البت فيها؟

اتفاقية روما تتعلق بأربع جرائم، ليست بالضرورة تلك المنصوص عليها في اتفاقية مناهضة التعذيب خاصة وأنها تضم الجرائم التي تطال المجموعات الانسانية بينما اتفاقية مناهضة التعذيب تنصب على الفرد وأيضا على الجماعة، كما أن الأولى تمنح الاختصاص للمحكمة الجنائية الدولية ، في إطار التكاملية بالنسبة إلى الدول المصادقة على اتفاقية روما، ذلك أن الاختصاص ينعقد للدولة المتعاقدة أولا، حتى إذا لم تقم بواجبها أو قامت به بشكل صوري فإن الاختصاص يعود للمحكمة الجنائية الدولية، أما اتفاقية التعذيب فشيء آخر، ومع ذلك يمكن القول أن التعديل الحاصل على اتفاقيات التعاون القضائي استلهم روح اتفاقية روما.

 رجع قضاة الاتصال للعمل مجددا، والبعض يربط الاتفاق بين المغرب وفرنسا، جراء تبعات أحداث صحيفة "شارلي إيبدو"، التي دفعت فرنسا للتراجع، بل كان صوت  اليمين الفرنسي والمعارضة مدويا للمطالبة بتدفئة العلاقات بين الدولتين، ما صحة ذلك؟

 نعم رجع قضاة الاتصال، كما  أن العلاقات القضائية عادت  إلى حالتها العادية منذ اللحظة التي وقعنا فيها على مذكرة التفاهم بيننا ونظيرتنا الفرنسية، أما ما هي الأحداث، أو الحدث  الذي سرع إنجاز الاتفاق، فلا أستطيع الجزم بشيء في الموضوع، مع العلم أنه كان هناك تواصل منذ اليوم الأول الذي تم فيه تعليق تنفيذ الاتفاقيات، لقد سبق لي أن أكدت على أهمية العلاقة الوطيدة والمبنية على مصالح متعددة وحيث إنه يوجد حدث جسيم فإنه كان يتطلب مراجعة الاتفاقيات لكي نعيد قطار العلاقات إلى سكته، ومن كان مخطئا عليه أن يصحح خطأه، وقد تفاعلت الأحداث وتسارعت حتى كانت هذه النتيجة التي لا شك أعادت الثقة التي سبق أن اهتزت بفعل ما وقع يوم 18 فبراير 2014.

لكن ماهو مآل الشكاية الموجهة ضد المسؤولين المغاربة؟

لا توجد شكاية واحدة، بل شكايات ستجد حلها في إطار هذه الاتفاقيات.

أنتم تقومون بتحضير الانتخابات في شخصكم وشخص وزير الداخلية في إطار اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات والمعارضة تحتج وتعتبر أنها ستتدخل في سير العملية الانتخابية، كيف السبيل لحل هذه المشكلة؟

إذا كنا سنتدخل في العملية الانتخابية فلا نحتاج إلى لجنة أو لجان، لأن لوزير الداخلية الاشراف المباشر على الانتخابات بقوة القانون، أما وزير العدل والحريات فليست له أي علاقة مباشرة بالانتخابات سوى أن له مسؤولية عل النيابة العامة التي لا تتدخل إلا إذا حصل ما يدعو إلى ذلك، كما أن القضاة الذين لهم مسؤوليات في بعض المراحل الانتخابية فإنهم يقومون بذلك وفق ما يقتضيه القانون وما يستوجبه الضمير، ولا دخل لوزير العدل والحريات في ذلك، فكيف يقال بأن اللجنة ستتدخل في الانتخابات؟

ولا ينبغي أن يغيب عن البال أن هذه اللجنة واللجان الجهوية واللجان المحلية لها أدوار تشاورية وتنسيقية ليس إلا، إذ تنتفي الطبيعة التقريرية عن قراراتها.

لكن اللجنة الوطنية كان على رأسها الرئيس الأول لمحكمة النقض، واللجنة المركزية على رأسها وزراء في الحكومة، هذا يعتبر من قبل البعض أنه تدخل في السير العادي للانتخابات، كيف تردون على ذلك؟

إن الحكومة هي المسؤولة عن تدبير الانتخابات، وحيث أنه ليس بإمكان الحكومة كلها أن تفعل ذلك فقد أحدثت اللجنة المركزية التي لن تتخذ أي قرار يؤثر سلبا على السير العادي للانتخابات كما ذكرت.

ولذا كانت اللجنة الوطنية التي كان يرأسها رئيس المجلس الأعلى سابقا قد أشرفت على انتخابات 1997، كانت هذه الانتخابات عرفت اختلالات جسيمة وصلت إلى حد التزوير كما وقع في دائرة حي الصدري ضد مصطفى الحيا، وفي دائرة الفدا بالدار البيضاء ضد عبد الرزاق توفيق، وكلاهما كانا من مرشحي العدالة والتنمية، وقد تم التزوير لفائدة مرشحي الاتحاد الاشتراكي، إضافة إلى التزوير الشنيع في دوائر أخرى... لقد تم كل ذلك تحت اشراف اللجنة الوطنية المذكورة فما معنى الحديث عنها اليوم ؟

لكن هل شرعية اللجنة  الوطنية المحدثة بظهير 1997، ستضرب عرض الحائط، و ما الغاية من إحداث لجنة مركزية لتتبع الانتخابات؟

ما دمتم تتحدثون عن اللجنة الوطنية، أسألكم هل أشرفت على انتخابات 2002 و2003، و2007 و2009 و2011،  إنها لجنة ميتة لم تعد قائمة الآن، ودورها لم يكن ذي قيمة في الانتخابات التي أشرفت عليها، بل كانت مجرد ديكور تكسر للأسف الشديد.

 بعض الدول أنشأت لجنة مستقلة للانتخابات، لماذا لم ينشأ المغرب مثيلا لها ؟

ما  هو الافضل ؟ أن تكون الحكومة هي المشرفة وبالتالي هي المسؤولة عن الانتخابات، أم نضع المسؤولية على لجنة ليس لها سلطات حقيقية وتبقى وزارة الداخلية هي المتحكمة في الانتخابات؟ أيهما أكثر ديمقراطية وفائدة ؟

 هل تضمنون نزاهة الانتخابات بنسبة 60 في المائة مثلا؟

أنتم تسألون عن النزاهة التي تعتبر من مسؤولية الحكومة ولكن أيضا من مسؤولية الأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني، ولا تنسوا المواطنين، ذلك أنه وعلى سبيل المثال لو اجتمع الناس في قاعة، ووزعت عليهم الأموال مقابل أصواتهم، فلن يكون بإمكان الحكومة ضبط هذه العملية دائما، إذن المسؤولية تقع على الجميع بمن فيهم الحكومة.

 وعلى ذكر وظائف مؤسسات أخرى، نجد مصالح أمنية لها تقنية ذكية لترصد العمليات أثناء خوض الحملة الانتخابية، فهل ستطبقون تقنية التنصت الهاتفي لرصد عملية البيع والشراء كما وقع في انتخابات " كبار المنتخبين" لولوج مجلس المستشارين ؟

سنستعمل جميع الوسائل الممكنة لكي نجعل من محطة الانتخابات محطة متميزة،  لكن بقدر ما تطور الدولة الوسائل التقنية الدقيقة للضبط، هناك من المفسدين من يطور طرق التدليس والإفساد.

وأنتم وزيرا للعدل والحريات، ستتلقون الشكايات والطعون، لماذا لا تجمدوا عضويتكم في حزبكم كي تدبروا عملية الانتخابات بعيدا عن  الإشارة الحزبية لديكم وتأويل ذلك ضدكم؟

يشهد الله والذين يعملون معي أني حينما أتحمل المسؤولية لا أجامل لا قريبا في حزب ولا في مهنة، ولا في علاقة كيفما كان نوعها.

ثم ما هذا التشكيك في الفاعل الحزبي؟ هل ثبت أنه كان هناك ثمة انحرافات في تدبير ملف واحد ؟ ما هو؟ (قل هاتو برهانكم ان كنتم صادقين).

- تتهمكم المعارضة بانتقاء بعض الملفات التي توصلتم بها من المجلس الأعلى للحسابات وإحالتها على النيابة العامة، ما ردكم على ذلك؟

لم يحصل أن احتفظت في مكتبي بأي شكاية ضد أي كان. جميع الشكايات التي ترد علي أحيلها على القضاء ليأمر بالبحث فيها، هذا ما حدث حينما توصلت بتقارير المجلس الأعلى للحسابات وكذا شكايات اللجنة المركزية لمحاربة الرشوة، والشكايات التي أحالها الوزراء أو الأغلبية أو المعارضة في البرلمان أوتلك التي يحيلها المواطنون أو الجمعيات وحتى الوشايات التي تتوفر فيها عناصر تستوجب الإحالة فإنني أعطيها الاهتمام الذي تستحق.

لقد سبق أن قلت لحزبين معارضين، إذا كنتم تشكون في مصداقية ما يقوم به وزير العدل والحريات، وتتهمونه بالانتقائية، شكلوا لجنة تقصي الحقائق وستكون مناسبة ليقف ممثلو الأمة على الطريقة التي اشتغل بها، وإذا ثبت أنني قمت بنوع من الانتقائية، ولو في ملف واحد سأغادر الوزارة خائبا صاغرا.

أما بخصوص تقارير المجلس الأعلى للحسابات، فقد كان يهم جماعات ومؤسسات وإدارات عديدة ويتضمن مجموعة من الاختلالات التي تستفز الرأي العام ويقول اللهم إن هذا منكر،  وفي الأخير نسمع بأن ملفا أو اثنين أو ثلاثة هي التي أحيلت على القضاء،  السؤال الذي كنا نطرح حينما كنا في المعارضة أين باقي الملفات، فكان وزير العدل يقول بأن المادة 111 من قانون المحاكم المالية تعطي الحق في إحالة الوكيل العام لدى المجلس الأعلى للحسابات على وزير العدل، ووزير العدل لا يحيل إلا ما ورد عليه فقط، وكنت ساعتها أجيب بأن الفصل 111 ليس فصلا مقيدا لسلطة وزير العدل بحكم وجود الفصل 51 من قانون المسطرة الجنائية الذي يعطيه الحق في الإحالة على النيابة العامة لكل ما يصل إلى علمه من مخالفة للقانون الجنائي، كما أن  الوكيل العام ووكيل الملك بمقتضى فصول قانون المسطرة الجنائية يقومان بالبحث بناء على أي شكاية أو وشاية، فكيف لا يقومان بذلك حينما يتعلق الأمر بتقرير للمجلس الأعلى للحسابات؟

عندما تحملت المسؤولية فعلت ما كنت أدعو إليه وشكلت لجنة هي حاليا قضاة من داخل الوزارة،لا أتدخل في عملها فكل ما تحيله علي أدرسه معها وأحيله على الجهات المختصة، دون أن أعرف الأحزاب التي تسير الجماعات المعنية بهذه التقارير، ولا أضعها في الاعتبار.

هناك من يتحدث عن انتقائية في أوامر بفتح تحقيق في بعض الملفات، ويتساءل لماذا لم تفتحوا تحقيقا في اتهامات البرلماني بوانو لثلاثة برلمانيين بتسلم رشوة تقدر قيمتها ب20 مليون سنتيم، أو تلك التي اتهم فيها  بنكيران قياديين بحماية تجار مخدرات وابتزاز رجال أعمال

لماذا لم تقولوا كذلك بأن السيد شباط اتهم بنكيران بأنه عميل للموساد، وأنه تابع لتنظيم داعش الإرهابي؟

هذا مثال آخر يزكي ما قلت، ونضيف عليه مثالا آخر يتعلق ببلاغ صدر عن الديوان الملكي جاء فيه الحديث عن اختلالات في ملعب مولاي عبد الله، هل قمتم بصفتكم وزيرا للعدل ورئيسا للنيابة العامة بإحالة الملف على القضاء، خاصة أن جميع البلاغات السابقة الصادرة عن الديوان الملكي، مثل ملف خيرية بالبيضاء وملف الحسيمة،  أحيلت مباشرة على القضاء؟

لكل حكومة سياسة جنائية متبعة، لذلك فإنه فيما يخص تصريحات البرلمانيين فلا تنسوا أن لديهم حصانة بمقتضى الدستور، أضف إلى ذلك أننا محتاجون إلى حياة سياسية نشيطة، وأيضا إلى سياسيين يتحدثون بلغة أنيقة، لكن حينما يقع التجاوز لا يمكن أن نسلط القضاء على البرلمانيين لأننا سنقتل السياسة، ولذلك سبق لي أن قلت للمعارضة في السنة الأولى التي تحملت فيها المسؤولية أنني لن أنهج سياسة جنائية تمارس الرقابة الشديدة على تصريحات البرلمانين، لأن ذلك يمكن أن يضر بحرية التعبير ومسلسل الانتقال الديمقراطي الجاري في البلاد، فالتدافع السياسي بين الفرقاء السياسيين والمساءلة المتبادلة والانتقاد على صفحات الجرائد هو الذي يستطيع أن يكبح جماح بعض السياسيين الذين يتجاوزون حدود اللباقة في حق بعضهم البعض. المهم من كل ما قيل أنني لا أمارس انتقائية، فهذه سياسة جنائية يتسع صدرها للجميع.

هذه سياسة جنائية عنوانها الإفلات من العقاب السيد الوزير.

هذا كلام كبير سيدي، وأعود لأقول بأنه في إطار تصريحات السياسيين لم تكن هناك انتقائية، وتعاملنا مع الجميع بسياسة واحدة، إذا أراد المغاربة أن نغير هذه السياسة سنغيرها.

نحن لا نتحدث عن سياسة جنائية نحن نتحدث عن اتهامات مباشرة ومبنية على وقائع، فحينما يقول بوانو بأن هناك ثلاثة برلمانيين تسلموا رشوة قدرها 20 مليون سنتيم فهذا اتهام يقتضي فتح تحقيق

أفتح تحقيقا مع بوانو ومع شباط ومع فلان وعلان، حينما تصبحون وزراء عدل يمكنكم القيام بهذا، أنا أعامل المعارضة والأغلبية بالمثل في إطار سياسة جنائية تبيح للجميع إمكانية التعبير عن رأيه. لا أريد أن أجعل من المساءلة القضائية سيفا مسلطا عليهم، أريدهم أن يكيفوا سلوكاتهم السياسية وتصريحاتهم بطريقة ملائمة بعيدا عن سوط الرقابة القضائية. لو ذهبنا في الاتجاه الآخر أين سنصل؟

السيد الوزير لو أدلى سياسي بتصريحات تتضمن اتهامات وفتحتم تحقيقا في الملف سيكف الآخرون عن الإدلاء بمثل هذه التصريحات التي تتضمن اتهامات مباشرة أو سبا وقذفا

هل أنت متأكد؟

نعم أنا متأكد.

لكن أنا لست متأكدا من ذلك، الأساسي في كل هذا أنني لا أقوم بانتقائية، ولكنني أطبق سياسة جنائية يمكن أن تكون خاطئة، لكن ليس فيها انتقائية.

الأكيد أنها خاطئة لأنني لا أرى أصعب من أن يتهم سياسي رئيس الحكومة بأنه عميل للموساد ومع ذلك لا يفتح تحقيق في الملف؟

دع الناخبين يحكمون، وأقول لك ليس من حقي قانونا أن آمر بفتح تحقيق في ملف اتهامات شباط مادام رئيس الحكومة لم يتقدم بشكاية، ليس من حقي أن أنوب عن أي أحد ما لم يتقدم بشكاية، كما أن البرلماني يتمتع بالحصانة بقوة الدستور، فكيف تطلب مني أن أسائله، ليس من حقي أن أسائل بوانو، أو أسائل شباط، ما دام قد قال ما قال بمناسبة أداء مهامه البرلمانية دون مجادلة فيما هو ممنوع دستوريا.

ولماذا لم تحيلوا ملف ملعب مولاي عبد الله على القضاء ؟

أذكرك أن بلاغ الديوان الملكي تحدث فقط عن المسؤولية السياسية والإدارية، فضلا عن أنه لم يتم إحالته على وزير العدل والحريات.

هل سبق أن أحيلت عليكم ملفات من الديوان الملكي؟

ملفات قليلة ولا تتضمن توجيها، بل مطالبة بتطبيق القانون لأن الديوان الملكي ترد عليه بعض شكايات المواطنين ومن الطبيعي أن يحيلها على  الجهة المختصة.

في ما يخص محاربة الفساد أريد الرجوع إلى بعض المتابعات التأديبية التي لها طابع جنائي والتي أصدرها المجلس الأعلى للقضاء، لماذا لم يتم تحريك المسطرة الجنائية في حق بعض القضاة،  الذين اتركبوا جرائم من قببل الارتشاء والنصب ومحاولته؟

تعرفون أن هناك ما يسمى بسلطة الملاءمة التي تتم بناء عليها المتابعة القانونية، وتعرفون أن حجم القضاة المتابعين في هذه المرحلة غير مسبوق، كما أن هناك حزما من قبل المجلس الأعلى للقضاء، الذي لا يتأخر في اتخاذ القرارات اللازمة في حق كل من خالف القانون .

لقد وضعنا معايير في عملنا في المجلس الأعلى للقضاء، وجميع القرارت تتخذ بناء عليها، فإذا كان الأمر فيه انحراف يمس شرف القاضي ونزاهته يكون هناك عزل أو إحالة تلقائية على التقاعد وإذا كانت مخالفات تدبيرية جسيمة يكون مصير القاضي التوقيف، أما إذا كانت مخالفات تدبيرية بسيطة فتكون العقوبة التوبيخ أو الإنذار.

 *ابتكرتم منذ تعيينكم على رأس وزارة العدل والحريات مسألة "الإعفاء" من المسؤولية  في حق عدد من المديرين التي يعتبرها البعض إقالة مقنعة، هروبا من مسألة المحاسبة في حق المعفيين؟

*  كل ما قيل في هذا الموضوع عبر الصحافة غير صحيح وأنا مستعد لكي أضع بين أيديكم لائحة المديرين الذين تم إعفاؤهم ولن تجدوا أيا من الإخلالات التي ذكرتموها، فهناك بعض الإعفاءات اقتضتها المصلحة العامة، كما هو الشأن بالنسبة إلى الكاتب العام السابق عبد المجيد غميجة الذي عين مديرا عاما للمعهد العالي للقضاء، والشيء نفسه بالنسبة للحكيم بناني مدير التشريع السابق الذي عين كاتبا عاما، ورئيس الديوان محمد بنعليلو الذي عين مديرا للدرسات والتحديث.

* السؤال يخص الإعفاءات الأخرى والتي بررت بأنها لأسباب صحية وشخصية؟

لم يثبت لدي أي اختلاس أو تجاوز في حق المال العام من أي مسؤول، سواء بالنسبة لمدير التجهيز أو مدير الميزانية، أو مدير الموارد البشرية أو المدير العام للمؤسسة المحمدية للأعمال الاجتماعية،  كل ما حصل هو أن هناك أسبابا موضوعية ترتبط بطريقة التدبير، بالنسبة إلى كل واحد منهم،  وتم الوقوف على المشاكل التي يعاني منها القطاع في الجانب الذي يتحملون فيه المسؤولية، وبعد الوقوف على الوضعية تم التوصل إلى قناعة مشتركة بوجود ما يستدعي الاعفاء، وهذا لا يعتبر صك براءة لأي أحد، ذلك أنه إذا ثبت أي إخلال جرمي في حق من ذكر فسيكون من الواجب إحالة الموضوع على العدالة.

ولكنكم أصدرتم بلاغا بشأن موضوع اختلالات في بعض بنايات المحاكم؟

* أنتم الآن تتحدثون عن حالة بعينها وتخص محكمة تاوريرت   التي ثبت  من خلال البحث والخبرات المنجزة أن الأمر يتعلق باختلالات جسيمة في البناء، لذلك قررنا إحالة الأمر على القضاء، الذي له الصلاحية التامة للنظر في القضية، ولو ثبت على أي شخص مسؤوليته في الاختلالات الواقعة في المشروع فلا شك أن القضاء سيتحمل مسؤوليته في معاقبته.

*أثيرت ضجة كبيرة بشأن استقلال النيابة العامة عن وزارة العدل منذ بدء الحوار ومستمرة حتى الآن، لماذا كل هذا اللغط في نظركم؟

الموضوع واضح. أشرفت على الحوار الوطني وكنت المسؤول الأول عنه، وحظي بشرف المباركة الملكية، ومن خلاصاته، أن يشرف الوكيل العام لمحكمة النقض على النيابة العامة، وهذا ما تم تضمينه في مشروع القانون التنظيمي للمجلس الأعلىأعلى للسلطة القضائية، وأتمنى أن تتم المصادقة عليه، بالرغم مما يمكن أن يكون لي من وجهة نظر مغايرة.

*في هذه النقطة بالذات كنتم في الأول من أشد المدافعين عن استقلال النيابة العامة لم غيرتم من موقفكم؟

هذا ما يقوله البعض والحقيقة أنني  لم أطالب في حياتي باستقلال النيابة العامة عن وزارة العدل والحريات، وأتحدى أي كان إثبات أن الرميد كتب أو قال باستقلال النيابة العامة عن وزارة العدل، وحتى في الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة، واجهني البعض  بمثل ذلك وقدمت لهم الوثائق التي تفيد غير ذلك والشيء نفسه بالبرلمان. إننا في العدالة والتنمية كنا نطالب بإعادة تنظيم العلاقة مع وزير العدل وليس بقطع العلاقة.

على ماذا تبنون  مطالب إبقاء النيابة العام تحت وصاية السلطة التنفيذية، ولا ترون أن مثل هذا الأمر من الممكن أن يؤثر على استقلال القضاء؟

 المسألة الأولى التي يجب الحسم فيها هي هل سبق لوزير العدل والحريات أن طالب باستقلال النيابة العامة، أقول لكم لا ومليون لا. أنا خلال الحوار الوطني فقد قلت أني لا أستطيع الدفاع عن موقفي بقوة لأني سأتهم بأني أدافع عن صلاحيات أباشرها حاليا أكثر من الدفاع عن قناعات.

 أتمنى أن تتاح للمغرب فرصة تعديل الدستور لأدافع عن تصور يتجاوز كلا المقاربتين، ذلك أن المغرب محتاج مستقبلا إلى مؤسسة النائب العام للدولة، أما الآن فإني مع ما انتهى إليه الحوار الوطني بشأن إسناد النيابة العامة إلى الوكيل العام لمحكمة النقض، من منطلق أخلاقي بحكم أني كنت منسق الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة وليس عن قناعة راسخة.

*المعارضة تعتمد في تبريرها رفض تبعية النيابة العامة إلى الوكيل العام إلى الخوف من هيمنة القضاة أو ما يصطلح عليه بديكتاتورية القضاة؟

هذا رأي محترم وله ما يبرره من بعض التجارب.

* علاقة بالموضوع ذاته بشأن طعن القضاة في قرار المجلس الأعلى للسلطة القضائية والذي تم التنصيص على أن يكون أمام الغرفة الإدارية لمحكمة النقض والتي هي تحت إمرة الرئيس المنتدب للمجلس، كيف تفسرون ذلك على اعتبار أن الرئيس سيكون هنا الخصم والحكم؟

طيب نحن دولة ديمقراطية ناشئة، ومع ذلك يمكن استحضار حالة الجارة اسبانيا، فرئيس محكمة النقض هو رئيس المجلس العام للسلطة القضائية، ومع ذلك فإن الطعون ترفع إلى الغرفة الادارية بمحكمة النقض، التي يفترض أن لا أحد يملك سلطة التحكم فيها، أما افتراض التدخل في قراراتها فسيترتب عنه افتراض التدخل في قرارات باقي الغرف وهو ما سيؤدي إلى القول بعدم استقلالية السلطة القضائية، لذلك فإنه ينبغي أن نؤسس لاستقلال القاضي بشكل تام في جميع المحاكم وليس في غرفة ما بمحكمة النقض، ثم ماذا تقولون عن الأحكام الصادرة ضد الدولة وفي قضايا خطيرة هل كان هناك تمة تدخل أو محاسبة على تلك الأحكام لأنها ضد الدولة ؟

إن المغرب يتطور بخطى ثابتة وبطريقة تدريجية، والاصلاحات التي يراد لها أن تقوم مرة واحدة لا يقوم منها شيء، لذلك فعندما تحدث معي قضاة شباب بشأن مسألة انتخاب الرئيس الاول لمحكمة النقض والوكيل العام بها، قلت لهم إن الوقت لم يحن بعد لذلك، ويتطلب انتظار أن يتمرس القضاة على العمل الجمعوي وتنضج الشروط الضرورية لذلك، وعندها يمكن اعتماد صيغة انتخاب الرئيس الأول والوكيل العام بمحكمة النقض.

*اتهمتم باتخاذ موقف ضد القضاة ومنعهم من ممارسة حقهم في الاحتجاج؟

أولا لم  أمنعهم من الوقفة. طلبت منهم ألا يرتدوا البذلة في الوقفة وشتان بين هذا وذاك. ثانيا لم أتخذ القرار حتى استشرت مع جميع الرؤساء الأولين والوكلاء العامين ورؤساء المحاكم ووكلاء الملك بالمغرب كله، فأجمعوا على رفضهم التظاهر بالبذلة، فكان رأيي أنه إذا أراد القضاة التظاهر فعليهم أن يفعلوا ذلك دون بذلة.

السؤال المطروح هو لماذا خرج القضاة ضد إرادة رؤسائهم، ولم يكونوا في حاجة لذلك لأني كنت في تواصل معهم، وكنت دائما أقول لهم أن الذي يزرع الريح سوف يحصد العاصفة، أما كان حريا بهم أن يحتجوا بطريقة ملائمة، خاصة أني أوفيت بالعهد الذي قطعته على نفسي بشأن الرفع من أجورهم.

وهنا لا بد من الرجوع إلى نقطة أثرتموها في السابق وتخص دولة القضاة، فقد كان من بين الاقتراحات أن تكون الشرطة القضائية تابعة حصريا للنيابة العامة، والنيابة العامة تابعة للوكيل العام لدى محكمة النقض، والذي يتم انتخابه من قبل القضاة، ولو أخذنا بهذا لكنا أمام دولة القضاة.

*رغم النجاح الذي حققه الحوار الوطني يعاب عليكم استنفاد الكثير من الوقت في تنزيل السلطة القضائية، كما أمر بذلك الملك في خطاب العرش ل2011، ما سبب ذلك؟

أنا الآن بين المطرقة والسندان. بين مطرقة  واجب الإسراع في الانجاز وسندان واجب التشاركية، ذلك أنه بعد جولات الحوار الوطني وخلاصاته كان من الضروري إجراء لقاءات تشاورية مع القضاة وغيرهم بشأن عدد من مشاريع القوانين، قبل إحالتها على البرلمان الذي أرجو أن لا يتأخر أكثر من اللازم في المناقشة والمصادقة.

* بعد انتهاء مدة انتخاب أعضاء المجلس الأعلى للقضاء طرحت مسألة دستورية استمراره في العمل، ما رأيكم في ذلك؟

إننا نعيش مرحلة انتقالية من الناحية الدستورية لا تهم المجلس الأعلى للقضاء وحده بل أيضا مجلس المستشارين،  والمجلس الدستوري، وهي مجالس استمرت في عملها والشيء نفسه سيكون بالنسبة إلى المجلس الأعلى للقضاء بتركيبته الحالية إلى حين تنصيب المجلس الأعلى للسلطة القضائية،  طبقا للمادة 178 من الدستور ، وقريبا سينعقد المجلس الأعلى للقضاء للبت في الملفات المطروحة عليه بحول الله.

هل لكم أن تفصحوا عن كم مرة  فكرتم في الاستقالة؟

فكرت في الاستقالة ثلاثة مرات.

هل لكم أن تفصحوا لماذا؟

 أحتفظ بذلك لنفسي، وإن كان على الأقل حالة أو حالتين معلومة ولا حاجة إلى التذكير.

على ضوء تحديد 12 جهة في التقطيع الإداري الجديد، هل سيؤتر هذا التقطيع على اختصاص الدوائر القضائية الاستئنافية والمحاكم الإدارية وأيضا وعلى مبدأ القرب؟

 الخريطة الإدارية الآن ليست مطابقة دائما للخريطة القضائية، مثلا الصويرة تابعة إداريا لمراكش وقضائيا لآسفي. ومع ذلك فسنشتغل على مراجعة الخريطة القضائية بما يتلاءم مع التقسيم الإداري الجديد، مثلا لن نترك محكمة لها اختصاص تشترك فيه جهتان، الملاحظ مثلا أن  لدينا الآن أكثر من محكمة استئناف في جهة واحدة، كجهة البيضاء 3 محاكم استئناف، جهة بني ملال محكمتين، جهة الرباط هناك استئنافيتي الرباط والقنيطرة، وغيرها، إلا أنه على صعيد كلميم ليس هناك محكمة استئناف، ونحن نشتغل على هذا الموضوع، رغم أنه ليس هناك عددا من القضايا التي تستلزم إحداث محكمة استئناف بهذه الجهة.

كما أن لدينا محاكم إدارية محدودة ولا تغطي كافة الجهات، والحال أنه ستصبح كل جهة تطلب إشباعا تاما بكل المرافق الإدارية والقضائية، وبالتالي فإنه عندما يتعلق الأمر بنزاع إداري بجهة طنجة الحسيمة مثلا فينبغي أن تكون لهذه الجهة كباقي الجهات قضاؤها الإداري وداخل محيطها الترابي، لذلك سنعتمد صيغة المحاكم الإدارية والأقسام الإدارية بالمحاكم الإبتدائية حيث لا تتوفر مقومات إنشاء محاكم إدارية.

أؤكد لكم أن وزارة العدل والحريات بفضل الله أولا ثم بفضل خلاصات الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة والمجهودات التي يبذلها المسئولون بالوزارة جاهزون لملاءمة المؤسسات القضائية مع التقسيم الجهوي الجديد ونشتغل بالليل والنهار لخدمة بلادنا ونرجو أن نوفق لذلك.