كلمة السيد وزير العدل خلال الجلسة الافتتاحية للندوة الوطنية المنعقد بمدينة مراكش حول الرقابة على تدبير الجماعات الترابية

29 شتنبر, 2017

كلمة السيد وزير العدل، محمد أوجار بمناسبة افتتاح الندوة الوطنية المنعقد بمدينة مراكش يومي 29 و 30 شتنبر 2017 حول "الرقابة على تدبير الجماعات الترابية" تم إلقاؤها بنيابة عنه الأستاذ خالد الشرقاوي السموني مستشار بديوان السيد الوزير، وللإشارة فإن هذه الندوة من تنظيم الودادية الحسنية للقضاة.

> <

السيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية

السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض

السيد رئيس مجلس جهة مراكش أسفي

 السيد رئيس الودادية الحسنية للقضاة

السيد والي جهة مراكش أسفي

السيد رئيس المجلس الجماعي لمراكش

السيد نقيب هيئة المحامين بمراكش

السيد رئيس جامعة القاضي عياض

حضرات السيدات و السادة

يشرفني و يسعدني أن أشارك في أشغال هذه الندوة الوطنية القيمة التي ستناقش موضوعا يكتسي أهمية بالغة و المتعلقة بموضوع  » الرقابة على تدبير الجماعات الترابية «  ، وذلك على ضوء صدور القوانين الجديدة المنظمة لها ، والمجهودات التي تبدلها المملكة المغربية من أجل دعم الجهوية المتقدمة وتكريس قواعد الحكامة والنجاعة في التدبير المحلي وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة التي ما فتئ جلالة الملك محمد السادس نصره الله يحث على التطبيق الصارم له من خلال خطبه السامية.

حضرات السيدات و السادة ،

يعتبر ترسيخ الديمقراطية، ودعم الحقوق والحريات من أساسيات مشروع المجتمع الديمقراطي والمتضامن الذي يتبناه جلالة الملك ، حيث سجل المغرب تقدما كبيرا  في هذا الشأن خلال السنوات الأخيرة.

وفي هذا السياق ، فإن مسلسل اللامركزية الذي يعتبر خيارا لا رجعة فيه ، وورشا يحظى بالأولوية في السياسات العمومية للحكومة، باعتباره يساهم بشكل قوي في ترسيخ الممارسة الديمقراطية بالمغرب ، وتكريس مفهوم الديموقراطية التشاركية ، وإسهاما في تحديث التدبير المحلي والرفع من نجاعته ، يشكل دعامة لإرساء أسس الديموقراطية المحلية .

وأمام التطورات المهمة والتاريخية التي عرفها مسلسل اللامركزية ببلادنا، وتتويجا للإصلاحات والتجارب التي راكمتها بلادنا قرابة نصف قرن من الممارسة ، كانت الإرادة السامية لجلالة الملك وراء الدفع بهذا المسلسل نحو آفاق الجهوية المتقدمة، وتجلى ذلك عبر صدور الدستور الجديد بتاريخ 29 يوليوز 2011، وصدور القوانين التنظيمية الجديدة المتعلقة بالجهات والجماعات والعمالات والأقاليم ، التي ستساهم ، لا محالة ، في تعزيز مفاهيم الحكامة والمسؤولية في تدبير الشأن العام المحلي، ودعم دور وعمل المؤسسات التدبيرية المحلية.

حيث كان من الضروري الانتقال إلى مرحلة جديدة من الديمقراطية المحلية والتي تتمثل أسسها في دعم استقلالية الجماعات الترابية إداريا وماليا وممارسة اختصاصاتها  في إطار مبدأ التدبير الحر و قواعد الحكامة الجيدة .

حضرات السيدات و السادة ،

إن القوانين التنظيمية للجماعات الترابية الصادرة جاءت لـتأكيد وتنزيل مقتضيات الدستور فيما يخص الجهوية المتقدمة، إذ حملت العديد من المستجدات ، ومن بين أهمها التخفيف من الوصاية الإدارية لصالح الرقابة القضائية من خلال المحاكم الإدارية.

فرقابة القضاء الإداري أهم ضمانة لاحترام المشروعية من جهة، وضمان استقلالية الجماعات الترابية من جهة أخرى، كما تضمن التوازن في العلاقة بين السلطة المركزية والجماعات الترابية.

 

وقد عرفت الرقابة على الجماعات الترابية تطورا مهما ، حيث انتقل المغرب من الوصاية التقليدية التي كانت مفروضة على الجماعات الترابية إلى تدخل الرقابة القضائية في الوصاية الإدارية ، محتذيا في ذلك بعدد من قوانين الدول المتقدمة في مجال التدبير الترابي.

 

فقد أسند المشرع للقضاء الإداري الاختصاص في البت في النزاعات التي تحصل بين السلطة المركزية من خلال ممثليها في الجماعات الترابية والمجالس المنتخبة ، وذلك طبقا للمادة 66 من القانون التنظيمي المتعلق بالجهات ، و المادة 64 من القانون التنظيمي للعمالات و الأقاليم، والمادة 63 من القانون التنظيمي للجماعات.

 

فهذه المقتضيات تشكل نقلة نوعية في رقابة القضاء الإداري على الجماعات الترابية، وتعبيرا  عن رغبة المشرع في تقوية دور القضاء في تعزيز الجهوية المتقدمة والرقي بها، وضمان المشروعية، من خلال تحقيق  التوازن بين ممثلي السلطة المركزية والمجالس المنتخبة، من جهة . و من جهة ثانية ، مساءلة الإدارة الترابية عن أعمالها وأنشطتها   سواء في محيطها الداخلي أو في علاقتها بالمرتفقين.

 

حضرات السيدات و السادة ،

بالإضافة إلى الدور الهام الذي يؤديه القضاء الإداري في مجال الرقابة على تدبير الجماعات الترابية ، ينبغي الإشارة أيضا دور الأجهزة الرقابية الأخرى التي تكتسي أهمية بالغة، مثل المجالس الجهوية للحسابات والمفتشية العامة للمالية و المفتشية العامة للإدارة الترابية.

 

فالرقابة التي تمارسها المجالس الجهوية للحسابات رقابة لاحقة ، وهي قضائية وإدارية ، تتجلى في الفحص والتحقق من العمليات المالية للجماعات المحلية. كما تتولى وزارة الداخلية مهامها الرقابية على المالية المحلية عامة وعلى تنفيذ ميزانيتها خصوصا، من خلال جهاز المفتشية العامة للإدارة الترابية التي تناط بها مهمة المراقبة والتحقق من التسيير الإداري والتقني والمحاسبي للمصالح التابعة لوزارة الداخلية والجماعات المحلية وهيآتها . أما وزارة المالية فتمارس سلطتها الرقابية على مالية الجماعات الترابية من خلال جهاز المفتشية العامة للمالية.


فجميع هذه الأجهزة الرقابية ، تهدف إلى التأكد من احترام قواعد التدبير المالي و المحاسباتي ، واحترام السياسات وتتبع المساطر والالتزام بالمعايير، من أجل منع حدوث الأخطاء ومعالجة الانحرافات في التدبير بشتى أنواعه ، ضمانا لحسن سير العمل بطريقة قانونية ومنع لكل تلاعب أو ضياع أو هدر للمال العام. وتجدر الاشارة في هذا الصدد أن وزارة العدل ، بحكم أن الوزير المكلف بالعدل كان يرأس و مازال إلى حدود الجمعة المقبلة جهاز النيابة العامة ، كانت حريصة على جعل موضوع محاربة الفساد المالي وتخليق الحياة العامة أحد أهم أولوايتها.

 

حضرات السيدات و السادة ،

إن وزارة العدل تتفاعل بشكل إيجابي مع كافة الأجهزة التي تتولى رقابة تدبير الجماعات الترابية ، في إطار اختصاصاتها، حيث ينبغي التأكيد على أن جميع الاحالات التي تتوصل بها من قبل الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات في إطار الفصل 111 من مدونة المحاكم المالية ، والمتعلقة بممارسات يشتبه في كونها تمثل أفعالا جرمية ، تتم إحالتها تلقائيا على النيابة العامة المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة بشأنها. علما بأن التقارير السنوية للمجلس الأعلى للحسابات تخضع للدراسة والتمحيص من قبل خلية مكونة من قضاة متخصصين في الجرائم المالية قصد رصد ما يسجل في هذه التقارير من أفعال تستوجب إحالتها على النيابة العامة.

                    

حضرات السيدات  و السادة ،

لا شك أن هذه الندوة تشكل فرصة لتسليط الضوء على الورش المتعلق بالقوانين التنظيمية الجديدة للجماعات الترابية، ولفتح نقاش هام بين القضاة والمنتخبين والممارسين و المهتمين والقيام بأبحاث معمقة للوقوف على مستجدات القوانين التنظيمية الخاصة بالجماعات الترابية، وكذا إبراز الإيجابيات والإكراهات المحتملة، مع إمكانيات استحضار الدراسات المقارنة والتركيز على التجارب المتميزة في مجال الرقابة على تدبير الجماعات الترابية ، وصياغة توصيات يمكن من خلالها رسم الآفاق المستقبلية لهذا الورش الكبير .

 

وذلك لن يتأتى إلا بالتوفر على نخب مؤهلة ومكونة تتوفر على مخططات للتنمية، ومسلحة بالأساليب التدبيرية الحديثة و المتقدمة ، ووجود موارد مالية كافية لتطبيق هذه المخططات التنموية، حتى تصبح الجماعات الترابية في المستقبل، مؤسسات فاعلة و وازنة ، تستطيع أن تساهم بدور فاعل في تنمية الاقتصاد المحلي ، وتهيئة المجال ، وتأهيل القطاعات الاجتماعية ، وتقليص الاختلالات الجغرافية و الفوارق الاقتصادية والاجتماعية .

 

وفي الختام أشير إلى ما جاء في نص الخطاب السامي الذي وجهه جلالة الملك نصره الله بمدينة تطوان يوم  29 يوليوز 2017 ،  بمناسبة الذكرى الثامنة عشرة لتربعه على عرش أسلافه المنعمين :

 »  وهنا أشدد على ضرورة التطبيق الصارم لمقتضيات الفقرة الثانية، من الفصل الأول من الدستور التي تنص على ربط المسؤولية بالمحاسبة.

لقد حان الوقت للتفعيل الكامل لهذا المبدأ. فكما يطبق القانون على جميع المغاربة، يجب أن يطبق أولا على كل المسؤولين بدون استثناء أو تمييز، وبكافة مناطق المملكة.

إننا في مرحلة جديدة لا فرق فيها بين المسؤول والمواطن في حقوق وواجبات المواطنة، ولا مجال فيها للتهرب من المسؤولية أو الإفلات من العقاب « .

وقبل أن أختم ، يسعدني أن أجدد شكري للجهات المنظمة للندوة عن الدعوة للمساهمة في أشغالها ، متمنيا لها التوفيق والنجاح.

والسلام عليكم ورحمة الله